مقالة كتبها السيد جمال الدين الافغاني ونشرت في جريدة (ابو نظارة زرقاء ) التي كانت تصد رفي باريس
ان الشرق بعدما كان له الشأن الرفيع , والمقام المنيع , والسلطة العظيمة , وبسطة الملك وعظم الشان في الصنائع والبدائع , ووفور الامتعة والبضائع , ورواج سوق التجارة والمعارف وشيوع الادب والفنون _ما هبط من جليل مرتبته ورفيع منزلته , ولا استولى الفقر والفاقة على ساكنيه ولا غلب الذل على عامريه , ولا تسلطت عليه الاجانب فاستعبدت اهله الا لاعراض الشرقيين عن الاستنارة بنور عقولهم وتطرق الفساد الى نفوسهم فانك تراهم في سيرهم كالبهائم لا يتدبرون امرا ولا يتقون في افعالهم شرا ولا يكدون لجلب النافع ولا يجتنبون الضار طرا على عقولهم السبات ووقفت افكارهم عن الجولان في اصلاح شؤونهم وعميت ابصارهم عن ادراك النوازل التي احاطت بهم يقتحمون المهالك ويمشون المداحض ويسرعون في ظلمات اهوية نفوسهم التي نشات عن اوهامهم المضلة ويتبعون في مسالكهم ظنونا قادهم اليها فساد طبائعهم لا يحسون المصائب قبل ان تمس اجسادهم وينسونها كالبهيمة بعد زوال الامها واندمال جراحها ولا يشعرون لا ستيلاء الغباوة على عقولهم واكفهرار ظلمات غشاوة الجهل على بصائرهم _ باللذائذ التي خص الانسان بها من حب الفخار في طلب المجد والعز , وابتغاء حسن الصيت وبقاء الذكر بل لاستيلاء الغفلة على عقولهم يحسبون يومهم دهرهم والتقمقم كالسارحة شانهم لا يدرون عواقبهم , لا يدركون مال يومهم , ولا يدركون ما فاتهم ولا يحذرون ما يتربصهم من امامهم ومن خلفهم لا يفقهون ما اكمن لهم الدهر من الشدائد والمصاعب ولذا تراهم قد رئموا الذل والفوا الصغار وانسوا الهوان وانقادوا الى العبودية ونسوا ما كان لهم من المجد المؤثل والمقام الامثل . وبعد انحدارهم عن ذروة العقل الذي لا كرامة للانسان الا به غلبت عليهم الخسة والنذالة ورانت على قلوبهم القسوة والجفاء وتمكن من نفوسهم الظلم والجور واستولى عليهم العجب لا عن جاه يدعو اليه ولا عن فضيلة تبعث عليه وتظاهروا مع الذل المتمكن من قلوبهم بالكبر والعظمة وفشا بينهم الشقاق والنفاق وتلبسوا بالغدر والخيانة واستشعروا الحسد والنميمة وتسربلوا بالحرص والشره وتجاهروا بالوقاحة والشراسة واتسموا بالخشية والجبانة وانهمكوا في الشهوات الدنية وخاضوا في اللذات البدنية وتخلقوا بالاخلاق البهيمية متوسدين الكسالة والفشل واتصفوا بصفات الحيوانات الضارية ياكل قويهم ضعيفهم ويسعبد عزيزهم ذليلهم يخونون اوطانهم ويظلمون جارهم ويسرقون اموال ضعفائهم ويخونون بعهودهم يسعون في خراب بلادهم و يمنحون الاجانب ديارهم لا يحمون ذمارا ولا يخشون عارا عالمهم جاهل واميرهم وقاضيهم خائن ليس لهم هاد فيرشدهم الى سبيل نجاتهم ولا زاجر فيكفوا عن التمادي في غيهم ولا وازع يقرع الجائرين عن نهش عظام فقرائهم وصاروا بسخافة عقولهم وفساد اخلاقهم عرضة للهلاك .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق